إِنَّ المَكارِمَ أَخلاقٌ مُطَهَّرَةٌ
فَالـدِّينُ أَوَّلُهـا وَالعَقْلُ ثانِيهـا
وَالعِلْمُ ثالِثُها وَالحِلْمُ رابِعُها
وَالجُودُ خامِسُها وَالفَصْلُ سادِيها
وَالبِرُّ سابِعُها وَالصَّبْرُ ثامِنُها
وَالشُّكْرُ تاسِعُها وَاللِّينُ باقِيها
وَالعَيْنُ تُبْصِرُ ما فِي النَّفْسِ مِنْ أَرَبٍ
إِذا النُّفُوسُ اسْتَكَنَّتْ فِي مَعانِيها
تُبْدي السَّرائِرَ لِلْأَبْصارِ ظاهِرَةً
حَتَّى كَأَنَّكَ في العَيْنَيْنِ تَقْرِيها
وَالنَّفْسُ تَعْلَمُ أَنِّي لا أُصادِقُها
وَلَسْتُ أَرْشُدُ إِلَّا حينَ أَعْصِيها
نسيجٌ ذهبيٌّ ممتدٌّ في جوهر الأبيات:
تتجلّى في هذه المنظومةِ سَبحاتُ الفضيلة؛ إذ يبدأ الشاعرُ بشرائع المكارم الخالدة التي يُوِّجُها الدّينُ كأصلٍ حصين، ويهديها العقلُ بنوره النافذ. وتتسلسل أركان المجدِ بين علمٍ يرفع جَهالة الجهل، وحلمٍ يكبحُ سَوْرة الغضب، وجودٍ يفيضُ في القحط، وفصلٍ يُقيم الحقّ بين المِرية والشك. ثمّ يتصلُ المجدُ بـبرٍّ خافقٍ بالوفاء، وصبرٍ على لَأْواءِ الدهر، وشكرٍ يُديمُ العطايا، ولينٍ يسلُّ السخائمَ من الصدور.
أمّا العين؛ فهي نافذةُ الرّوحِ وسفيرُها الصّادق؛ مهما استكنّت النفوسُ وخَبَأَت مقاصدَها أو طَوت أسرارَها، جَاءت النظراتُ لِتَفضحَ المَخبوءَ وتَجلوَ الخَفايا. إنّ العينَ تُقدِّمُ السَّرائرَ شَاهِدةً عَياناً، حتى لَكأنّ المَرْءَ يَقْرَأُ خَطَايَا النفوسِ وخطَرَاتِها مُرتَسِمَةً في المَحاجِرِ بغيرِ كِتاب.
وتكتملُ الملحمةُ الأخلاقيةُ بهذه المواجهةِ الحاسمَةِ مع النفس؛ فلن يَصِلَ السالِكُ إلى مَدارِجِ الرُّشدِ حتّى يَخلَعَ رِبقةَ الهوى، ويَعصي نَوازِعَ الذّاتِ الأمّارة؛ إذ لا تَنبلِجُ أنوارُ الاستقامةِ إلا حيناً يُعلِنُ المرءُ العِصيانَ على شَهَواتِهِ، ويَسوقُ نَفسَهُ طَوْعاً إلى الصَّلاح.

Add comment

Comments

There are no comments yet.