بَلاغَةُ الاستِفْضَاءِ إِلى الهَلاكِ: تَأَمُّلٌ أَدَبِيٌّ

إنَّ سُقُوطَ الإمبراطورياتِ وتَهَاوِي الحضاراتِ لا يَكُونُ بَغْتَةً كالصّاعِقَةِ، بَلْ هُوَ انْحِدَارٌ بَطِيءٌ يَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ الرُّوحِ وَالمُجْتَمَعِ، لِيَنْتَهِيَ بِالضَّياعِ المَحْتُومِ. وَتَأْمَّلْ كَيْفَ تَرْتَبِطُ تلك المَظَاهِرُ الأَرْبَعَةُ لِتُشَكِّلَ خَرِيطَةً لِلإِفْلاسِ الحَضَارِيِّ:
* انْحِرَافُ الفِكْرِ وَالقَلْبِ: حِينَ يَتَسَرَّبُ «الظَّنُّ» المُعْتَمُ إلَى نَفْسِ الأُمَّةِ، يَعْمَى بَصَرُهَا وَبَصِيرَتُهَا، فَتَرَى البَاطِلَ حَقّاً وَالحَقَّ زُوراً، وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ أوَّلُ خُطُوَاتِ التِّيَهِ.
* تَهَاوِي العَدَالَةِ: حِينَ يُسْتَبْدَلُ «الحُكْمُ» العَادِلُ بِأَهْوَاءِ الرِّجَالِ وَنَوَازِعِ السَّلَاطِينِ، يُسْلَبُ الأمْنُ، وتَغُيبُ الثِّقَةُ، وَيَنْتَشِرُ الظُّلْمُ الذي هُوَ مُؤَذِّنٌ بِخَرَابِ العُمْرَانِ.
* انْحِلاَلُ المَنَظُومَةِ الأخْلاقِيَّةِ: عِنْدَمَا تَغْرَقُ المُجْتَمَعَاتُ فِي «التَّبَرُّجِ» والتَّشَخُّصِ وَالسَّطَحِيَّةِ، وتَضِيعُ المَبَادِئُ المُرَبِّيَةُ، يُصَابُ النَّسِيجُ الاِجْتِمَاعِيُّ فِي القَلْبِ، فَتَنْشَأُ أجْيَالٌ هَشَّةٌ لا تَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ الأَمَانَاتِ.
* شَرَرُ التَّعَصُّبِ وَالحَمِيَّةِ: ثُمَّ تَأْتِي «الحَمِيَّةُ» الطَّائِفِيَّةُ أوِ العِرْقِيَّةُ لِتُضْرِمَ النَّارَ فِي الجَسَدِ المُتَهَالِكِ؛ فَيَقْتَتِلُ الأَبْنَاءُ عَلَى أَوْهَامِ الاِنْتِمَاءِ المَضِيقِ، وتَتَشَظَّى الأُمَّةُ إلى شِيَعٍ وأَحْزَابٍ.
فَإِذَا مَا اكْتَمَلَتْ هَذِهِ الأَرْكَنُ الأَرْبَعَةُ فِي أُمَّةٍ، اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُ الشَّؤْمِ، وَدَارَتْ عَلَيْهَا رَحَى السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ؛ فَلا يَبْقَى لَهَا فِي مَجْرَى التَّارِيخِ عِمَادٌ، وَتُسَاقُ مُرْغَمَةً إِلى ذُلِّ الدَّرْكِ وَهَلاَكِ الأَثَرِ.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador