سياط العزاء وبناة الغد

هَلِ الْمُوَاسَاةُ يَوْمًا حرَّرَتْ وَطَناً ؟
أم التعازي بَدِيلٌ إنْ هَوَى العَلَمُ؟
من يندب الحظ يطفئ عين همته
لا عين للحظ إن لم تبصر الهممُ
فالدمع ما غسل المحتل عن بلد
ولا استفاق بسوق النوح معتصمُ
إن الأماني سحائبٌ بلا مطر
إن لم يقدها إلى العلياء من عزموا
تضع هذه الأبيات الإصبع على جرح الأمة الأعمق؛ وهو الركون إلى العزاء والشكوى بدلاً من الفعل والمقاومة. فالأوطان لا تُستعاد بالدموع الباردة ولا بالوقوف على ركام الخيبات، بل تُبنى وتُحمى بسواعد الأحرار وعزائم الرجال. لقد أبدع الشاعر في جعل "الهمة" هي البوصلة الحقيقية للوجود، فالحظ لا قيمة له إن غابت الإرادة الصلبة التي تبني وتأخذ بأسباب النجاح، لتحوّل الهزيمة إلى نصر مبين.
وتتجاوز معركة الأوطان والنهوض بها حدود الدفاع الميداني إلى رحاب البناء الحضاري الشامل وبث روح العمل والإبداع في شتى الميادين؛ من الابتكار التقني، والإنتاج المعرفي، والإتقان المهني، وصولاً إلى التفكير النقدي وكسر قوالب التقليد الأعمى.
وحين تكون البوصلة الإنسانية نقية والأمانة مصانة، تصبح الأجيال الصاعدة الحصن الأمني والحضاري الأكثر منعة؛ فـ "الأجيال إن كانت في أيد مخلصة فلا خوف عليها". غير أن الخطر الحقيقي يكمن فيمن يبيعون ضمائرهم ويتبعون كل دعي، فالأوطان لا تسقط بقوة عدوها الخارجي بقدر ما تسقط من الداخل حين ينصاع الأفراد خلف الأدعياء والمزيفين، وتبدد طاقات الشباب في غير فائدة الوطن وبنائه.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador