شعوبٌ جائعة فوق بحارٍ من النفط…
تتفاوت أقدار الأمم ليس بما تحت أقدامها من ثروات، بل بما في عقول أبنائها من معرفة، وما في صدور قادتها من إخلاص ومسؤولية. فالنهضة ليست صدفة تاريخية تُوهَب، بل هي حصاد إرادة سياسية حرة تعي أن السلطة تكليف لخدمة الأمة، لا مغنم للاستئثار واستنزاف المقدرات.
إن قراءة المتغيرات بين الدول تكشف حقيقة جليّة: الثروة الطبيعية مجرد مادة خام صامتة، إن لم تقترن بالحكم الرشيد والحوكمة الصارمة تحوّلت إلى "لعنة" تدمّر المجتمعات. ويكفي أن نرى كيف تحولت **فنزويلا**—وهي التي تتربع على أكبر احتياطي نفطي في العالم—إلى ساحة للفقر والجوع والهجرة الجماعية بسبب سوء الإدارة وتفشي الفساد، أو كيف تبددت **ثروات إيران الهائلة** في مغامرات سياسية وصراعات خارجية تركت شعبها يعاني الغلاء وانهيار العملة، تماماً كما هو الحال في تجارب أخرى عُطلت فيها الكفاءات وتراجعت فيها التنمية لصالح الشعارات.
وفي المقابل، تشهد تجربة **كوريا الجنوبية** كيف يمكن للإرادة الصادقة أن تقهر عجز الموارد. فمن **ركام** حرب طاحنة في خمسينيات القرن الماضي، وبلا قطرة نفط واحدة، جعلت قيادتها من "العنصر البشري" رأس مالها الأول. استثمرت بصرامة في التعليم، والبحث العلمي، والتصنيع، وأخضعت مؤسساتها لسيادة القانون والإنتاجية، لتتحول من أفقر دول العالم إلى صدارة التكنولوجيا والاقتصاد.
إن الدرس الأكبر الذي تتوارثه الأجيال هو أن الفارق بين أمّة تنهض وأخرى تتراجع يكمن في وجود إدارة مخلصة تضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار؛ فبدون الحكم الصالح، تصبح الشعوب جائعة فوق بحارٍ من النفط والخيرات، وبوجوده، تُصنع المعجزات حتى من أشد الأراضي جفافاً.
Add comment
Comments