⸻ حين تفرّقت الظلال

لم تكن ندى تطمح لأكثر من دفء.
بعد وفاة والدها، لم يبقَ لها أحد.
تركت البلد، وتركت كل شيء.
سافرت إلى شقيقتها… حيث البنات، والبيت، والحياة التي لا تعرفها.

رُبى استقبلتها بحنانٍ حذر، وقالت:
“البيت بيتكِ…”
ابتسمت ندى، ولم تفهم ما بين السطور.
كان حماسها يسبق حكمتها.
ظنّت أن القرب يكفي ليذيب المسافات.
لكن… لم تمضِ سوى أشهر، حتى تغيّر كل شيء.

نظراتٌ صامتة، وكلماتٌ ثقيلة.
هل كانت ندى كانت تُربك إيقاع البيت ؟
هل تتدخل في ما لا يعنيها ؟ هل تُبدي رأياً حيث يجب الصمت ؟ هل تربك الأم التي بالكاد تلمّ شتات ما خلّفه غياب الزوج.

رُبى… حاولت أن تبتلع تلك النظرات.
لكنها كانت تتأرجح بين الوفاء لأختها… والولاء لبناتها.

ثم وقع ما لم يكن في الحسبان.
انفجر الخلاف: حاداً ، جارحاً ، فوضوياً .

ندى والبنات رشقن بعضهن بجمل وكلمات لا تليق بإحداهن .
ورُبى اختلفت مع شقيقتها من قبل بهدوءٍ موجع …
وكانت تلك الجمل والكلمات والهدوء كالسقوط من علٍ.

📜
العم جمال، صديق والدهم، وبمثابة عمٍ لهما…
بلغه ما حدث، لكنه لم يملك سوى أن يستوعب الأمر من خلف البحار.
حاول الصلح… لكن الجروح كانت أعمق من أن تطوى بسرعة.

🍂
نُقلت ندى إلى بيت العمة سعاد، القريبة الهادئة، التي قالت بابتسامة:
“تفضلي يا بنيّتي… ".

لم تبكِ ندى، لكن صوتها كان مكسوراً وهي تشكر العمة.

وفي الليل، جلس العم جمال يضع رأسه بين يديه:
كيف يؤمّن مستقبل فتاة بلا سند؟
كيف يوفر لها كرامة وسقفاً؟
والعمة، رغم طيبتها… إلى متى؟
وماذا لو مرضت؟
وماذا لو ضاقت الأحوال؟

الأسئلة تُطارده… والليل يطول.

أما ندى، فجلست في ركن الغرفة، ولسان حالها يقول:
“أخطأت حين ظننت أن الحب وحده يكفي…
أختي متعبة، وأنا فعلت وقلت أكثر مما يجب.”

🕊️
مرت الأيام… لا مصالحة، ولا قطيعة.
ندى تفكر في العمل، في بداية جديدة.
ورُبى تشتاق، لكنها لا تعرف كيف تبدأ.

والعم جمال؟
ما زال يفكر، ويقلب الموازين…

وفي صوت خافت يدعو :
نسأل الله أن يلمّ الشمل، ويديم الود، ويحسن الخاتمة
وذات صباح بلغ ندى وفاة العم .
حاولت أن تكفكف وتحبس دموعها كي لا تشعر العمة سعاد ..
تَمْتَمَتْ بِدُعَاءٍ هَادِئٍ:
“أَسْكَنَكَ اللهُ العُلَا مِنَ الجَنَّةِ يا عم …”
❁❁❁❁❁❁❁ا.

Add comment

Comments

There are no comments yet.