محكمة الضمير


أصعبُ أنواع العدالة أن يقف الإنسان خصماً لنفسه قبل أن يقف قاضياً على الآخرين.

فالضمير العادل لا يسأل: كيف ظلموني؟ بل يسأل أولاً : هل ظلمتُ أحداً دون أن أشعر؟

أيسرُ ما يفعله الإنسان أن يطلب الرحمة حين يقع عليه الظلم، وأصعبُ ما يفعله أن يكون عادلاً حين يكون الحكم له.

فالعدالة الحقيقية لا تبدأ من المحاكم، بل من ضميرٍ يستطيع أن يحاكم نفسه قبل أن يحاكم الآخرين.

ليست الشفقة بديلاً عن العدالة، ولا تُصلح ظلماً أُقيمت أسبابه.

إن أردنا عالماً أرحم، فلنكن أولاً أكثر إنصافاً مع من حولنا، ومع أنفسنا أيضاً .

فالإنسان الذي يملك شجاعة الاعتراف بتقصيره، قد وضع أول حجرٍ في بناء العدالة التي يطلبها من الناس.

وحين يستيقظ العدل في القلوب، لا يضطر أحدٌ أن يطرق باب الشفقة؛ لأن الحق إذا حضر، استغنى عن الاستعطاف.

وحين يعلو صوت الحق، تخفت الحاجة إلى الشفقة؛ لأن الكرامة لا تُستعاد بالعطف، بل تُصان بالإنصاف.

فالعدل يداوي الجراح قبل أن تحتاج إلى المواساة، أما الشفقة فقد تُربّت على الألم وتترك سببه قائماً .

وهنا يكمن الفرق بين قلبٍ يواسي، وضميرٍ يُنصف.

ويبقى أجمل ما في العدالة أنها لا تُريح المظلوم وحده، بل تُريح الظالم حين يراجع نفسه، وتُريح الشاهد حين يقول الحق، وتُريح الضمير حين ينام بلا خصومة.
ولعل أجمل ما في مناجاة الضمير أنها لا تبحث عن إدانة الآخرين بقدر ما تبدأ بسؤال النفس: هل كنتُ عادلاً؟ هل أعطيتُ كل ذي حق حقه؟ فهناك يهدأ صخب الخصومة، ويبدأ سلام الداخل.
ليس أعظم من أن ينتصر الإنسان على خصمه، بل أن ينتصر على هواه.

فكم من حقٍّ ضاع لأن صاحبه طلب الإنصاف من الناس، ونسي أن ينصفهم من نفسه.

والضمير الذي يحاكم صاحبه بعدل، هو أعدل قاضٍ لا يحتاج إلى محكمة ولا إلى شاهد.
لعل هذه الرحلة الفكرية القصيرة عن العدالة والشفقة، توقظ الضمائر…
فأول محكمة يقف أمامها الإنسان هي المحكمة التي يحملها في داخله.

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador