الفقه في التربية
ليست التربية جمعاً للمعلومات، ولا تلقيناً للمحفوظات، ولا نجاحاً في الاختبارات فحسب؛ وإنما هي بناءٌ للإنسان، وتنميةٌ لعقله، وتهذيبٌ لخلقه، وإعداده ليحسن التعامل مع ربه، ونفسه، وأسرته، ومجتمعه.
ومن هنا كان المربي أحوج الناس إلى الفقه؛ لأن التربية لا تنجح بكثرة ما يحمله المعلم من علم، وإنما بحسن فهمه للمتعلم، وإدراكه للفروق بين الناس، ومعرفته بالوسائل التي يصل بها إلى العقول والقلوب.
فالفقه في التربية هو أن يضع المربي كل أمر في موضعه؛ فيعرف متى يشجع، ومتى يعاتب، ومتى يصبر، ومتى يحزم، ومتى يكرر، ومتى يكتفي بالإشارة. ويدرك أن ما يصلح لطفل قد لا يصلح لمراهق، وما ينفع طالباً قد لا يناسب آخر؛ لأن النفوس تختلف، كما تختلف البيئات والقدرات والظروف.
ومن فقه التربية أن ينظر المربي إلى ما وراء السلوك، فلا يتعجل الحكم على المتعلم، بل يسأل عن السبب قبل أن يحكم على النتيجة. فكثير من أوجه التقصير لا تعود إلى ضعف القدرة أو قلة الرغبة، وإنما إلى ظروف خفية لا يعلمها إلا من بحث عنها.
وقد مررت في عملي بموقف رسخ هذا المعنى في نفسي. كان أحد الطلاب يتكرر منه عدم أداء الواجبات، ولا يحفظ ما يُطلب إليه حفظه، حتى ظنه كثيرون طالباً مهملاً . لكن مراجعة ملفه، ثم الحديث مع والده، كشفت أن والدته متوفاة، وأنه كان يتحمل بعد عودته من المدرسة أعباء المنزل ورعاية إخوته الصغار في غياب والده الطويل. فلما تبدلت ظروفه وانتقل إلى بيت جده، تبدلت حاله أيضاً ، وخلال فصل دراسي واحد ظهر ذكاؤه، وعوض كثيراً مما فاته. عندها أيقنت أن المشكلة لم تكن في عقل الطالب، بل في الظروف التي كانت تحجب قدراته.
وهذا مثال من أمثلة الفقه في التربية؛ إذ لم يكن العلاج في زيادة العقوبة، وإنما في فهم الواقع، وتشخيص السبب، ثم اختيار العلاج المناسب. فليس كل مقصر كسلاناً ، وليس كل متأخر ضعيفاً ، وإنما لكل إنسان قصة قد لا تظهر للناظر من أول وهلة.
ومن فقه التربية كذلك أن تكون الرحمة أصلاً ، والعدل ميزاناً ، والحكمة سبيلاً ، وأن يكون الهدف صناعة الإنسان قبل صناعة المتفوق، وبناء الشخصية قبل كثرة الشهادات. فالمربي لا يقيس نجاحه بعدد الصفحات التي أنجزها، ولا بعدد الاختبارات التي صححها، وإنما بعدد النفوس التي أحسن توجيهها، والعقول التي أيقظها، والقيم التي غرسها.
وإذا غاب هذا الفقه، تحولت التربية إلى أوامر ونواهٍ، وإلى مناهج جامدة، وإلى قياس الطلاب بمقياس واحد، فضاعت مواهب، وأُرهقت نفوس، وربما انصرف بعض الطلاب عن العلم، لا لعجزهم عنه، بل لأن أحداً لم يحسن فهمهم.
إن المربي الفقيه لا يكتفي بأن يسأل: ماذا أُعلِّم؟ بل يسأل قبل ذلك: كيف أُعلِّم؟ ولمن أُعلِّم؟ ومتى أُعلِّم؟ وبأي أسلوب أصل إلى المقصود؟ وهنا يظهر الفرق بين ناقل المعرفة، وصانع الإنسان.
ولعل أعظم صور الفقه في التربية أن يدرك المربي أن أثر القدوة أبلغ من كثرة المواعظ، وأن الكلمة الطيبة قد تغير حياة طالب، وأن ابتسامة صادقة قد تفتح باباً للتعلم، وأن احترام كرامة الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه كل تربية ناجحة.
وهكذا يبقى الفقه روح التربية؛ لأنه يحول المعرفة إلى بناء، والتعليم إلى رسالة، والمدرسة إلى بيئة تُنبت الإنسان الصالح، والعقل الواعي، والخلق الكريم.
ومن الله التوفيق .
Add comment
Comments