يا بَنيّ، اعلمْ أن الأب لا يغضب إلا بعد أن يشتدَّ وجَعُه، وأن قلب الأم يغلي مئةَ مرة قبل أن يظهر على الأب أثرُ غضبةٍ واحدة.وأبوك هو الذي صاحبك حين كبرت، وأطعمك من عرق جبينه، وكساك من لحم كتفيه، وبسط لك يده بالعطاء في صغرك وكبرك؛ ما بخل يوماً ، ولا ضاق صدره بما أنفق عليك.
فلا تَعُدّ ما تقدّمه له، ولا تحسبه بالحرف والعدد؛ فكلَّما ظَلَمتَه دعا لك بالهداية، وكلَّما قصّرتَ في حقه ظنَّ بك خيراً ، وبكى في خفاءٍ دموعاً لا تُرى.يتعب ويشقى، ويكدّ ويعمل، ثم لا يجد منك عُشر ما بذل، لأن ما يعطيك إياه نابع من رحمة، وما ترده أنت غالباً تحكمه المِنّة.
يمدّ لك يده بسخاء، وتمُدّ له يداً مثقلةٍ بالعُذر والتثاقل، ومع ذلك لا يمتلئ صدره عليك، ولا يطفح كيله.
فإيّاك يا بُنيّ أن تُهمل شيباتهم؛ فالكِبَرُ مهابةٌ لا مَذلّة، وطريقه طريقُنا جميعاً .وكلُّ معروفٍ دينٌ، حتى دمعةُ العين إذا نزلت من أجلهم فهي عليك حقٌّ.
لا تتصنّعوا الفقر بين أيديهم؛ فآباؤكم وأمهاتكم أهلُ عِزّة، ولا يُظهرون حاجة، ونفوسهم الكريمة لا تستجدي منكم شيئاً . كلُّ ما يطلبونه رِقّةٌ بلا مِنّة، ومحبّةٌ بلا انتظار مقابل، ودفءٌ يطمئنُّون به أن أبناءهم مازالوا أوفياء.
خذوا برضاهم، واجتهدوا في بِرّهم. لسنا مطالبين بالكمال، ولكن بشيء من الوفاء لا ينقطع، وبقلوبٍ لا تملّ من الإحسان.
حفظ الله آباءنا وأمهاتنا ، ورحم من مضى منهم، وبارك في أعمار الأحياء على الطاعة والسكينة.
Add comment
Comments