حين يتكلّم المواطن الصادق، ينبغي أن يُصغى إليه، لا أن يُهمَل صوته أو يُستخفّ بألمه؛ فالكلمة الصادقة قد تكون مرآة لوطنٍ يئنّ، وضميراً يحاول أن يوقظ ما خَدَّرته المصالح.
يقولون لنا: نحبّ الأمّة كلّها، ونحمل همومها، ونرفع شعارات الوفاء لها… لكن أيُّ محبّةٍ هذه التي تترك أبناءها في ضيق العيش، وتُثقل كواهلهم بالفقر والحاجة؟
إنّ المحبّة ليست شعاراً يُردَّد، ولا خطاباً يُلقى في المناسبات؛ المحبّة عدلٌ يُقام، وكرامةٌ تُصان، ولقمةُ عيشٍ لا تُلوَّث بالمهانة.
لا تُدهَن المحبّة على رغيف خبزٍ يابس، ولا تُزيَّن الكلماتُ موائدَ خالية.
فالجائع لا يُشبِعه المديح، والمقهور لا يضمد جراحه التصفيق.
وإذا كانت الأوجاع قد استفحلت، فلأنّ منظومةً من الفساد تسلّلت إلى مفاصل الحياة، فأفسدت القيم قبل الموارد، وأضعفت الثقة قبل أن تُضعف الاقتصاد.
إنّ خراب العقود لا يُختزل في ضيق يومٍ أو سنة، بل هو تراكم إهمالٍ وسوء تدبيرٍ وانعدام محاسبة.
وحين يغيب العدل، تتآكل المحبّة، وحين تُستباح الحقوق، يصبح الصمت شريكاً في الألم.
المواطن الصادق لا يطلب المستحيل، ولا يحرّكه حقدٌ ولا خصومة؛ إنّما يطلب وطناً تُحترم فيه الكرامة، وتُدار فيه الثروات بأمانة، ويُحاسَب فيه الفاسد قبل أن يُطالَب الفقير بالصبر.
فالمحبّة الحقيقية للأمّة تبدأ من إنصاف أبنائها،
ومن إطعام جائعها،
ومن صون عِرضها وكرامتها،
ومن إقامة ميزان العدل بلا محاباة.
أما الشعارات، فتبقى كلمات…
والكلمات إن لم تسندها أفعالٌ صادقة، صارت عبئاً جديداً يُضاف إلى وجع الناس.

Add comment

Comments

There are no comments yet.