وصلتني صورة تحمل رسالةً رمزيةً مفادها أن كلمة «الأب» أصل لكلمة «الأبجدية»، وكأنها تريد أن تمنح الأب مركزيةً مطلقة. وربما قصد صاحبها المزاح أو المبالغة في إظهار مكانة الأب، لكن المشكلة أن هذا النوع من العبارات، حين يُؤخذ على محمل التفضيل المطلق، يختزل منظومة الأسرة كلها في شخص واحد.

والحقيقة أن الشرائع، ولا سيما الشرائع السماوية، لم تبنِ الأسرة على التنافس بين الأب والأم، بل على التكامل بينهما.

فالأب بابٌ من أبواب الجنة، وله حق الطاعة والبر والاحترام، وهو القائم على الأسرة والمسؤول عن رعايتها وحمايتها.

وفي المقابل، جاءت النصوص الشرعية بمنزلة الأم على نحوٍ يدعو إلى التأمل؛ فعندما سُئل النبي ﷺ: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، ثم «أمك»، ثم «أمك»، ثم «أبوك».

ولم يكن ذلك انتقاصاً من حق الأب، وإنما اعترافاً بما تتحمله الأم من حمل وولادة وإرضاع وسهر وتربية وعطاء لا ينقطع.

وقد أحسن الشاعر حين قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراق

بل إن الإنسان، حين يتأمل بدايات اللغة عند الطفل، يجد أن علماء اللغة لاحظوا أن أصواتاً مثل: «ما»، و«ماما»، و«با»، و«بابا» من أقدم الأصوات التي يستطيع الرضيع إنتاجها، لأنها من أسهل الحركات النطقية على الطفل.

ومن هنا ليس غريباً أن تتشابه ألفاظ الأم في لغات كثيرة، لا لأن تلك اللغات أخذت بعضها من بعض بالضرورة، بل لأن جهاز النطق البشري متشابه، ولأن الطفل يكرر الأصوات الأسهل خروجاً من فمه.

ومن الناحية الوجدانية، يحمل ذلك دلالة جميلة أيضاً؛ فالطفل لا يتعرف إلى العالم أولاً من خلال المفاهيم، بل من خلال الحضور والحنان والرعاية. لذلك كثيراً ما تقترن أولى أصواته بمن يقضي معه أطول الوقت، وهي الأم في الغالب.

ولهذا يمكن القول إن أول ما يخرج من فم الطفل في كثير من الأحيان أصوات تشبه «ماما»، وكأن الفطرة تربط بين أول الحروف وأول حضن، وبين أول كلمة وأول رحمة عرفها الإنسان.

وهذه ليست حجة لغوية بالمعنى العلمي الدقيق، لكنها لمسة إنسانية رقيقة، وأقرب إلى الوجدان من عبارة «الأب أصل الأبجدية».

ومع ذلك، يبقى الأجمل ألا نجعل الحروف ميدان مفاضلة بين الأب والأم؛ فمكانة كل منهما أكبر من أن تُستمد من تشابه لفظي أو مصادفة لغوية.

فالأب والأم ليسا أصل الكلمات، بل أصل الذكريات، ومنهما يبدأ تكوين الإنسان.

فالعلاقة بين الأب والأم ليست ميدان مفاضلة، بل شراكة في البناء وتكامل في العطاء. فحيث يجتمع الأب الصالح والأم الصالحة، تنشأ الأجيال التي تُحسن قراءة الحروف ومعانيها معاً.

ولعل الأجمل من التفاخر بأن «الأب أصل الأبجدية» أن نقول:

الأب سند الحياة، والأم روحها، فإذا اجتمعا استقامت الحروف، واستقام معها الإنسان.

فليست الحروف هي التي تصنع الإنسان، بل القلوب التي ربّته، وأول قلب عرفناه كان قلب أم.

Add comment

Comments

There are no comments yet.