“بين شرعية القانون وشرعية الضمير”
الفكرة التي تلوح من العنوان أوسع من مجرد المقارنة بين القانون والشريعة، فهي تمسُّ الفرق بين البحث عن الحق، والبحث عن المخرج.
فالقانون من صنع البشر، والبشر مهما بلغوا من العلم لا يحيطون بكل الصور والاحتمالات، ولذلك تُكتب القوانين بعباراتٍ عامة، ثم تأتي الوقائع أكثر تنوعاً وتعقيداً منها. ومن هنا تنشأ مساحة التفسير والاجتهاد، ويأتي المحامي فيجادل في النصوص، ويبحث عن الثغرات أو القراءات المختلفة أو الظروف المخففة أو الإجراءات التي قد تغيّر الحكم.
أما الشريعة، فالأصل فيها أنها لا تقف عند ظاهر الفعل وحده، بل تنظر كذلك إلى المقصد والنية والحقيقة الكامنة وراء التصرف. ولهذا لم يكن المسلم مطالباً فقط بأن يسأل: هل أستطيع؟ بل قبل ذلك: هل يجوز؟ وليس: هل أستطيع الإفلات؟ بل: هل أرضى أن ألقى الله بهذا العمل؟
ولهذا كان العلماء يفرّقون بين الحكم القضائي والحقيقة عند الله. فقد يحكم القاضي لإنسانٍ بناءً على بينةٍ أو شهادةٍ أو مستندٍ صحيح في الظاهر، بينما يكون الحق في الباطن لغيره. وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النار.»
فالقضاء قد يحسم النزاع، لكنه لا يغيّر حقيقة الحق عند الله.
ومن هنا يظهر الفرق بين من يجعل القانون حدّاً أدنى للالتزام، ومن يجعل التقوى حداً أعلى للسلوك.
فقد يكون الشيء جائزاً قانوناً ، لكنه مجافٍ للأمانة والضمير. وقد يستطيع المرء أن يستفيد من ثغرةٍ أو نصٍّ أو إجراءٍ يمنحه حقاً شكلياً ، وهو يعلم في قرارة نفسه أن العدل ليس معه.
ولهذا أرى أن المحور ليس:
“القانون والشريعة”
بل:
“بين شرعية القانون وشرعية الضمير”
أو:
“حين يُجيز القانون ما لا تُجيزه المروءة”
أو:
“ليس كل ما أباحه القانون يبرئ الذمة”
فهذه العناوين تفتح باباً أوسع؛ لأن القضية ليست طعناً في القوانين، فالقوانين ضرورة لا تستقيم الحياة بدونها، وإنما تذكير بأن المؤمن لا يكتفي بالسؤال عمّا يبيحه القانون، بل يسأل أيضاً عمّا يرضاه الله، وما تستريح إليه الذمة.
ولعل أجمل ما يُبنى عليه أن الشريعة لم تُرِد من الإنسان أن يكون بارعاً في الهروب من المسؤولية، بل أرادته أن يكون صادقاً مع نفسه. فشتان بين من يسأل: “كيف أخرج من التبعة؟” ومن يسأل: “كيف أبرأ من التبعة؟”
وهنا يكمن الفرق كله.
وأحسب أن في هذه الفكرة مادةً ثرية لنصٍّ أدبيٍّ وتأمليٍّ جميل ، أقرب إلى الحديث عن الضمير والعدل والتقوى منها إلى آداب العلاقات والمودة. ولذلك أراها مشروعاً مستقلاً له عنوانه الخاص، وربما يكون من أجمل عناوينه:
«ليس كلُّ ما يُكسبه القانون يُبرِّئ الذمَّة»
أو
«بين حكم المحكمة وحكم الضمير»
وفيها مجال واسع للتأمل والبيان، وأحسب أنها تستحق أن تُكتب على مهل.
وفقنا الله لما يحب ويرضى.
Add comment
Comments