شـهادة قلم وتبرئة ذمة
قد يطوّق الثناءُ جِيدَ الكاتب بأغلالٍ من التوقعات لا يبتغيها، ويسبغ عليه القارئ ألقاباً يتبرأ إلى الله منها. ومن حقِّ السالك في درب الكلمة أن يُعلن معالمه، ويُحدد منزلته، ليرفع عن كاهله قيد الأستاذية، وليتحرر من ثقل التصدير الذي لم يسعَ إليه يوماً.
إن كل ما أبسطه على هذه المنصة، مستعيناً بشرارة التقنية ومصقولاً بمساندتها، ليس إلا خلاصة تجربة إنسان تجاوز عقد حياته السابع؛ إنسانٍ عاش ورأى، وتأمل وخبر، فخرج بفقراتٍ وثمارٍ يرجو أن يصل نفعها إلى أهله، وأحبته، وسائر خلق الله.
ضوابط العلم ومقام التصدير للفتوى: بين شروط الأهلية وأمانة التوقيع
إنَّ من أعظم أسباب حفظ الدين وصيانة الشريعة معرفة الأقدار وتنزل الناس منازلهم، فلا يُخوض في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بغير علم، ولا يُرفع القلم للإفتاء والاستنباط إلا لمن اكتملت لديه أدوات النظر واستجمعت فيه شروط الأهلية. وإن السالك في طريق العلم والكلمة ليجد من أوجب الواجبات عليه أن يُعلن منزلته ويُحدد معالمه، براءةً للذمة وحفظاً لحرمة الشرع المطهر.
أولاً: مقام العلم والتبرؤ من التصدير
ليس كل من سود صحيفةً غدا حجة، ولا كل من أتقن لساناً صار فقيهاً. وإن خيار ما يتزين به السالك في درب المعرفة هو التزام مقام "طالب العلم"، استحضاراً لعظمة المسئولية، وتبرؤاً من ألقاب التصدير والمشيخة التي قد يسبغها الثناء بغير حق. فالعلماء الذين تُشد إليهم الرحال ويُؤخذ عنهم الفقه وضع لهم أهل الأثر والتخصص شروطاً صارمة وقواعد راسخة لا تسقط بحسن الظن ولا بالتلقي العفوي.
ثانياً: شروط الأهلية ومقومات المفتي
إن الفتوى في حقيقتها توقيعٌ عن رب العالمين، ولا يُؤتمن على هذا التوقيع الجليل إلا من استوفى أركان التحصيل والورع، ومن أهم هذه الضوابط:
التلقي والمشافهة عن أهل الرسوخ: الكتاب وحده يمنح المسائل ولا يمنح الفهم، ويثبت النصوص ولا يورث الملكة الفقهية. ولهذا تقرر عند أئمة السلف أن «من كان شيخه كتابه، كان خطؤه أكثر من صوابه»؛ إذ إن الجلسة بين يدي المشايخ والعلماء تورث السمت، وتضبط الدقائق، وتفتح مغلقات الفهم.
التحقق بعلوم الآلة والتخصص الدقيق: تتشعب العلوم الشرعية واللغوية حتى يستغرق الفن الواحد منها العمر. ولنا في لسان العرب العجب؛ فقد عدّ العلماء علوم اللغة وأركانها بأربعة عشر فرعاً (من نحو، وصرف، واشتقاق، ومعانٍ، وبيان، وبديع، وعروض، وغيرها). فإذا كان هذا التفرع والدقة في آلة اللسان وحده، فكيف بمن يتصدى لاستنباط أحكام الله من أدلتها التفصيلية؟
الورع والصلاح وطهارة السريرة: العلم نورٌ من الله، ولا يُؤتاه إلا من طهر الله قلبه. والشرع لا يأخذ الأحكام إلا ممن عُرف بالصلاح وحسن السيرة والورع الحجاز الذي يحجزه عن الشبهات والجرأة على حدود الله.
التجرد والخوف من الله (الاستقلال عن الأهواء): من أخص صفات المفتي المعتبر ألا يخشى في الله لومة لائم، وأن يتجرد من حظوظ النفس وضغوط العصر ورغبات الخلق، فلا يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، ولا يفتي إلا بما أداه إليه الدليل والتقوى.
الإجازة وفقه الواقع والنوازل: لا يكتمل مقام التصدير إلا بشهادة أهل الفن والرسوخ للمرء بالتأهل، مع معرفته التامة بـ مقاصد الشريعة وربط الأحكام بمساقط الواقع، ودرايته ببدائع النوازل وأحوال الناس وزمانهم.
خاتمة: أثر النية والرجاء
إن الواجب على من لم يستجمع هذه الشروط أن يقف عند حده، وأن يجعل كلماته ونشره في أطر التذكير والنصح ونقل النافع من تجارب الحياة، سائلين الله تعالى صدق النية وصواب المعنى، ومستحضرين قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
نسأل الله أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وأن يجعل ما نكتبه شاهداً لنا لا علينا يوم نلقاه.
Add comment
Comments