Click here to add text.
قال الشيخ الإمام تقي الدين السبكي يرحمه الله :
هذه كلمات لنفسي ولغيري مما أرجو النفع به إن شاء الله تعالى:
مجامع السعادة في سبعة أشياء :
1- الدين،
2- والعلم،
3- والعقل،
4- والأدب،
5- وحسن السمعة،
6- والتودد إلى الناس،
7- ورفع الكلفة عنهم
1- أما الدين :
فهو أصل سعادة الدنيا والآخرة, والهداية من الله تعالى وتوفيقه , والعبد مأمور باكتساب ذلك من أسبابه
" وإن لربكم في أيام دهركم نفحات , ألا فتعرضوا لها"
وبالدين :
أـ يصلح القلب: بالايمان والمعارف الإلهية، والأحوال السنية
ب ـ ويصلح اللسان: بالإسلام، والصدق، وقول الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعقود الصحيحة، وحفظه عما سوى ذلك، وعن الغيبة والنميمة.
ج - وتصلح بقية الجوارح: بالقيام بالطاعات، واجتناب المحرمات من الصغائر والكبائر الموبقات وغير الموبقات.
وكل أحد مطلوب بذلك، وإنما يحصل بهداية الله تعالى
2- وأما العلم :
أـ فمن الناس من لا ذهن له؛ فلا يكلّف ذلك، ويكفيه العلم بما يصلحه من أمر الدين
وتعاطيه أسباب الزيادة على ذلك كضرب في حديد بارد.
ب ـ ومن الناس من له ذهن؛ فحق عليه أن يستعمله في علم ينتفع به الدنيا والآخرة بقدر ما يحتمله ذهنه , فمن مُقل ومن مُكثر على حسب احتمال ذهنه
ومن كان له ذهن، وضيّع وقته بلا اشتغال بعلم فقد خسر خسرانا مبينا , ويندم حيث لا ينفعه الندم !!
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا .... ندمت على التفريط في زمن البذر
فمن له ذهن وهو شاب يغتنم ذهنه وشبابه وصحته وفراغه , في علم يحيا به في الدنيا والآخرة, فعن قريب يكل ذهنه ويشيخ ويمرض , ويشتغل بعوارض تصده ويقول: يا ليتني
وفي هذين الأمرين الدين والعلم يحتاج إلى شيخ يسلّكه ويربّيه
والحاجة إلى الشيخ في الدين في كثير من الناس، وقد يستغنى عنه في بعضهم ممن يتولى الله هدايته بغير واسطة
وأما العلم فالذي دلت التجربة عليه أن الشيخ ضروري فيه, لابد منه، وانتفاع الطالب به بحسب استعداده وقبوله ,
أ ـ فمن لا استعداد له لا ينتفع به،
ب ـ ومن له استعداد ولا يحصل منه قبول لا ينتفع به
ج ـ ومن له استعداد وأقبل بقلبه عليه انتفع به بقدر استعداده وقبوله ,
فإن قلب الطالب كالمرآة وكلام الشيخ كالصورة , فبقدر صقال المرآة ومقابلتها للصورة ينطبع ويظهر مثالها فيها
د ـ واذا وجد الاستعداد والقبول من الطالب بقي الانطباع على قدر إلقاء الشيخ , وهو متفاوت أيضاً تفاوتًا ظاهرًا في أمرين :
أحدهما: بحسب زيادة علمه ونقصه فكم بين تعليم الشافعي وتعليم الواحد منا؟!
والثاني: بحسب نصح الشيخ ومحبته للطالب وحنوه عليه حتى يأخذه بكلتا يديه، وكلما أحب الشيخ الطالب أقبل عليه بمجامع قلبه وألقى إليه أفلاذ علمه وربّاه بصغاره قبل كباره
والشيخ كالأب يربي الطالب كما يربي الأب ابنه , فإن اتفق أن يكون الشيخ أبًا فيجتمع فيه أبوة الروح وأبوة الجسم , فتكمل المحبة والنصيحة والاجتهاد.
والنجباء من أولاد العلماء قليل:
في الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمروبن العاص، وعبد الله بن الزبير، والحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، والنعمان بن بشير، وغيرهم.
وفي التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة،وخارجة بن زيد بن ثابت، وغيرهم
ويليهم: عبد الرحمن بن القاسم، وابن طاوس، وغيرهما
وبعد الأئمة: ابن الشافعي، وعبد الله بن أحمد، والصعلوكي من أصحابنا، وإمام الحرمين، والروياني وغيرهم.
وإنما لم تكثر النجباء من أولاد العلماء؛ لأن العلماء يشتغلون بعلمهم وتكميل أنفسهم فلا يتفرغون لتكميل أولادهم؛ فمن كان من أولادهم فيه فطنة وذكاء ورزق توفيقًا حتى يقبل بقلبه على والده حصل له خير بيّن كهؤلاء الذين عددناهم، وكان ذلك أسهل عليه وأيسر فكم بين من يأتي إلى باب شيخ يتوسده حتى يخرج يسأل منه مسألة وبين من هو عنده صباحًا ومساءً وفي حجره ومعه حال يقظته ونومه ويود له الخير أكثر من نفسه، ولكنه يحتاج إلى محرك كما قيل:
اغتت الشيخ بالسؤال تجده.... سلسا يلتقيك بالراحتين
وإذا لم تصح صياح الثكالى .... رحت عنه وأنت صفر اليدين
3- وأما العقل : فبة تنال سعادة الدنيا والآخرة
والعقل نوعان : مطبوع ومكتسب ,
فمن سلب المطبوع ــ والعياذ بالله ـ لا كلام معه
ومن رزق المطبوع وبصيرة يميز بها، فحق عليه أن يكتسب كل يوم بل كل لحظة عقلًا جديدا من مثله ومن أكبر منه ومن أصغر؛ ففي كل رأس حكمة , وعند كل أحد رأى وفائدة , ويتولد من الرأيين رأى أعلى منهما كما تتولد النتيجة من مقدمتين.
ويتفاوت الناس في العقول تفاوتًا لا نهاية له، والعاقل دائمًا في زيادة ، وبالعقل ينال الدنيا والآخرة فإن العاقل لا يسعى إلا في مرمة لمعاش أو صلاح لمعاد ولا خير فيما سوى هذين
فحفظ دنياه لمرمة معاشه، وحفظ دينه لصلاح معاده
وإذا سمع كلمة تميز بعقله في معناها وعاقبة العمل بها:
أ ـ فإن ميز بعقله تمييزا صحيحا أنها صواب قبلها
ب ـ وإن ميز بعقله تمييزا صحيحا أنها خطأ ردها
ج ـ وإن تردد تأمل وتأنى على نفسه ولا يستعجل برد أو قبول حتى يتبين له
د ـ وإن أبهم عليه الحال وتحقق نصح الملقي إليه تلك الكلمة وعلمه ودينه قبلها مع التردد لأن حاله يقتضي تقليده فيها لدينه وعلمه ونصيحته ومحبته
هـ ـ وإن شك في ذلك توقف
4- وأما الأدب : فبه ينال العلم والدين والسعادة
والأدب:
ــ مع الله تعالى ومع رسله وملائكته والعلماء والأولياء والملوك وولاة الأمور والأكابر والأقران والصغير والكبير والحر والعبد
ــ في القول والفعل والجلوس والقيام والإنصات والاستماع وحسن المخاطبة واستصغار نفسه واستعظام غيره
5- وأما حسن السمعة :
فإن بها حفظ دنياه وآخرته ومتى ساءت سمعته فسدت عليه دنياه، وقد يكون ذلك سبباً في فساد آخرته والطريق إلى حسن السمعة أنه مع جودته في نفسه يتجنب مظان التهم ومحال الريب ومعاشرة الأسقاط والأرذال وأهل الريبة وأن يصون نفسه ماأمكنه،
ولا يرى بارزًا إلا بقدر الحاجة فمن عاشر قومًا عد منهم وإن كان بريئا، وقد أنشد الشيخ تقي الدين الشهير بالصائغ قال أنشدنا أمين الدين المحلي لنفسه:
عليك بأرباب الصدور فمن غدا .... جليسًا لأرباب الصدور تصدّرا
وإِيَّاكَ أَنْ تَرْضَى صحابة نَاقِصٍ .... فَتَنْحَطَّ قَدْرًا مِنْ عُلَاكَ وَتُحْقَرَا.
فرفع أبو جاد وخفض مزمّل ... يحقّق قولي مغرياً ومحذّرا
وقد قيل :
"لاينبغي للعالم أن يكون خراجا ولاجا"
؛ فإن من أكثر الاجتماع بالناس هان قدره عندهم , ومن خرج من بيته عرض نفسه لكل بلاء والسلامة في العزلة وليتأدب بقوله صلى الله عليه وسلم (وليسعك بيتك)، ومن الكتب التي رويناها: "رسالة في السكوت ولزوم البيوت"
ورأينا كثيرا من الناس اعتزلوا الناس فسلموا من أذاهم وإن كانوا على ما لا يجب،
ورأينا كثيرا خالطوهم فنسبوهم إلى ما لا ينبغي وإن كانوا برآء
6- وأما مواددة الناس :
فهي نصف العقل وتجلب كل خير لكن تكون بقدر؛ فلا يذل نفسه بحيث يطرحها، ولايشمخ بأنفه، بل يكون حسنة بين سيئتين.
7- وأما رفع الكلفة عنهم :
فلئلا يثقل عليهم؛ فإن من كلف الناس ثقل عليهم.
ولايزال الرجل صاحبك حتى تطلب منه ما يثقل عليه فيكرهك ويبغضك
فمن استطاع أن لايكلف أحدًا شيئا لا ما يثقل عليه ولا ما يخف عليه فليفعل،
فإنه يكون بذلك عزيزًا عليهم محترمًا في صدروهم.
فإذا فعل العبد هذه السبعة فقد فعل ما في وسعه وتبقى السعادة بعد ذلك من الله تعالى
على المرء أن يسعى لما فية نفعه .... وليس عليه أن يطاوعه الدهر
اللهم لا تكل تدبيرنا إلى أنفسنا، ودبرنا بتدبيرك الحسن الجميل يا رب العالمين
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
كتبته سحر ليلة الأربعاء منتصف شهر رمضان المعظم قدره سنة 748 بمنزلنا بالدهشة.
انتهى كلامه رضي الله عنه
قلتُ:
وقد فرغتُ من صفه وتقسيمه سحر ليلة الثلاثاء ثاني جمادى الأولى سنة 1440 هـ
وهو كلام كله درر، وخلاصة عمر في أسطر قليلة فليغتنمها من أراد.
Add comment
Comments