الفقه في الشريعة

Published on 13 August 2026 at 8:56 am

ليس ما نسطره دعوةً إلى رأي، ولا انتصاراً لمذهب، ولا تعصباً لعالم.

وإنما هو رحلةٌ في طلب الفقه؛ ذلك الفقه الذي يُعلي شأن الوحي، ويوقر العلماء، ويجعل الدليل ميزاناً ، والعدل سبيلاً ، والأدب رفيقاً .

فإن أصبنا، فمن فضل الله وحده، وإن أخطأنا، فحسبنا أننا قصدنا الحق، وما توفيقنا إلا بالله.

ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً لعباده، وأن يغفر لنا ما زل به القلم، أو قصر عنه الفهم.
ولنتذكر :
إذا خلصت النية، واستقام الدليل، وحسن الأدب، كان الفقه أقرب إلى الصواب، وأقرب إلى القبول.

🌿💐

الفقه في الشريعة

إذا كان الوحي نوراً أنزله الله لهداية عباده، فإن الفقه هو السعي إلى فهم ذلك النور، والاستضاءة به في واقع الحياة.

فالشريعة من عند الله، كاملةٌ في أصولها، محكمةٌ في مقاصدها، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. أما الفقه، فهو جهد الإنسان في فهم نصوصها، واستنباط أحكامها، وتنزيلها على ما يجدُّ من أحوال الناس ووقائعهم.

ومن هنا كان الفرق بين الشريعة والفقه فرقاً ينبغي ألا يغيب عن الأذهان.

فالشريعة وحيٌ معصوم، أما الفقه فاجتهادٌ بشري، يبذل فيه العالم وسعه، ويستفرغ فيه طاقته، يرجو إصابة الحق، فإن أصابه فله أجران، وإن أخطأ فله أجر اجتهاده.

ولهذا لم يكن اختلاف الفقهاء نقصاً في الشريعة، بل كان شاهداً على سعتها، وعلى عمق النصوص التي تستوعب الوقائع المتجددة، وتفتح لأهل العلم أبواب النظر والاستنباط.

ولو كان كل نص لا يحتمل إلا فهماً واحداً ، لما اختلف أصحاب رسول الله ﷺ في بعض مسائل الاجتهاد، وهم خير هذه الأمة بعد نبيها، وأعلم الناس بكتاب الله، وأفهمهم لسنة رسوله ﷺ.

ثم جاء من بعدهم الأئمة، فكانوا يتفقون على تعظيم الوحي، ويختلفون في فهم بعض النصوص، أو في الجمع بينها، أو في معرفة الناسخ والمنسوخ، أو في تحقيق مناط الحكم، أو في تنزيل الحكم على الواقعة.

ومن جميل ما حفظه لنا تراثنا العلمي، اختلاف الأئمة في حكم تارك الصلاة.

فقد أخذ الإمام أحمد بن حنبل بظاهر الأحاديث الواردة في ذلك، ورأى أن ترك الصلاة كفر.
ورأى الإمام الشافعي - بعد نظره في مجموع الأدلة - أن تارك الصلاة لا يخرج من الإسلام ما دام مقرّاً بوجوبها، وإنما يستحق العقوبة لتركه أعظم أركان الإسلام العملية.
ثم ذهب فقهاء من الحنفية إلى أنه لا يقتل، وإنما يعزر ويحبس حتى يتوب.
ولم يكن أحد منهم يرد حديثاً ، ولا يتهاون في نص، وإنما اختلفت مناهجهم في فهم النصوص، والجمع بينها، وترجيح ما يرونه أقرب إلى مقاصد الشريعة.

وهنا تتجلى حقيقة الفقه.

فليس الفقيه أكثر الناس حِفظاً للنصوص، وإنما أحسنهم فهماً لها، وأقدرهم على الجمع بين أدلتها، وأبصرهم بمقاصدها، وأعرفهم بأحوال الناس التي تُنزَّل عليها الأحكام.

ولهذا بقيت كتب الفقه مليئة بالحوار العلمي، مع بقاء المودة والاحترام بين الأئمة، لأنهم كانوا يختلفون طلباً للحق، لا طلباً للغلبة.

ولم يقل أحد منهم يوماً إن قوله هو الدين، أو إن اجتهاده هو الوحي، بل كانوا يعلمون أن العصمة إنما هي لكلام الله، ولسنة رسوله ﷺ، وأن كل فهم بعد ذلك يؤخذ منه ويُرد.

ومن الظلم أن نجعل اختلاف العلماء سبباً للطعن فيهم، كما أنه من الخطأ أن نرفع اجتهاداتهم إلى منزلة العصمة.

فالوفاء للعلماء يكون بالدعاء لهم، وحسن الظن بهم، والانتفاع بعلمهم، ومعرفة أقدارهم، لا بتقديس أقوالهم، ولا بإهدار فضلهم.

وهكذا يجتمع في قلب المسلم أمران عظيمان: توقير العلماء، وتعظيم الدليل.

فإذا تعارضا في نظره، قدَّم الدليل مع بقاء الاحترام للعالم، لأن العالم نفسه لم يكن يرضى أن يُتبع إذا خالف الدليل.

ومن هنا ندرك أن الفقه في الشريعة ليس مجرد معرفة الأحكام، بل هو أدبٌ مع الوحي، وعدلٌ في فهم النصوص، وأمانةٌ في نقلها، وحكمةٌ في تنزيلها.

وإذا كانت الشريعة، وهي وحي الله المعصوم، فإن الفقهاء يبينون أحكامها، ويجتهدون في فهم نصوصها، بخلاف القانون، إذ هو من وضع البشر، يكتبه البشر، ويفسره البشر، ويحكم به البشر؟

 

Add comment

Comments

There are no comments yet.

Create Your Own Website With Webador